فشل تطبيق النظام الجمركي في العراق: قراءة اقتصادية في إضراب التجار أسيكودا ASYCUDA

فشل تطبيق النظام الجمركي في العراق: قراءة اقتصادية في إضراب التجار أسيكودا ASYCUDA

فشل تطبيق النظام الجمركي في العراق: قراءة اقتصادية في إضراب التجار أسيكودا ASYCUDA

د. سعد ناجي / خبير في الاقتصاد الرقمي / رجل أعمال

نائب الرئيس / امين سر مجلس الاعمال العراقي

يشهد العراق في المرحلة الراهنة إضرابًا تجاريًا واسع النطاق يُعد من الظواهر النادرة في تاريخه الاقتصادي الحديث، إذ لم يسجّل البلد تحركًا مماثلًا منذ عام 1931، عندما أدّت تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 1929 وفرض ضرائب ورسوم جديدة بموجب قانون الرسوم والضرائب البلدية إلى شلل واسع في النشاط التجاري. والمفارقة أن المشهد يتكرر اليوم بعد ما يقارب قرنًا من الزمن، وبسبب مقاربة متشابهة في جوهرها، تقوم على فرض إجراءات اقتصادية وتنظيمية حسّاسة بصورة مفاجئة ودون تهيئة كافية للسوق أو للفاعلين الاقتصاديين.

تتمثل الأزمة الحالية في أسلوب تطبيق نظام أسيكودا لإدارة الجمارك، حيث جرى اعتماده دفعة واحدة ومن دون تدرج مرحلي أو فترات اختبار عملية، ما أدى إلى اضطراب كبير في قطاع الاستيراد وانعكس مباشرة على هيكل الأسعار وكلف السلع. ورغم أن النظام صُمم أساسًا ليكون أداة لتسهيل التجارة، وتعزيز الشفافية، ورفع كفاءة التحصيل الجمركي، إلا أن التجربة العراقية أظهرت بوضوح أن الخلل لم يكن في جوهر النظام، بل في طريقة التنفيذ والإدارة.

فقد طُبّق النظام في بيئة غير مهيأة تقنيًا، في ظل ضعف البنية التحتية الرقمية، وتكرار انقطاعات الإنترنت والطاقة الكهربائية، وعدم جاهزية المنافذ الحدودية للعمل ضمن منظومة إلكترونية متكاملة. كما غابت برامج التدريب الفعّالة للتجار والمخلّصين الجمركيين، ما وضعهم أمام نظام تقني معقّد دون استعداد مؤسسي أو مهني، فتحوّل النظام من أداة تنظيم إلى عامل تعطيل مباشر لحركة البضائع.

ومع تطبيق التعرفة الجمركية الجديدة عبر النظام، ظهر اضطراب سعري جمركي مرتفع الكلفة، دفع عددًا كبيرًا من التجار إلى التوقف عن التخليص، ما أدى إلى تكدّس آلاف الحاويات في المنافذ الحدودية. وفي محاولة لمعالجة الاختناق، لجأت البيروقراطية الحكومية إلى حلول ارتجالية، من بينها إيقاف العمل بالنظام والعودة إلى التعليمات اليدوية والتقدير الشخصي لقيمة البضائع، وهو ما فتح الباب أمام عدم الاتساق وفقدان العدالة في التقدير. كما برزت قرارات ضريبية غير منسجمة مع الممارسات الدولية، تمثلت في إخضاع بعض السلع التقنية، كأجهزة الحاسوب، لضرائب مرتفعة بدل إعفائها، بل واحتساب الرسوم في بعض الحالات على أساس الوزن بالكيلوغرام، في مقاربة تتناقض مع المعايير الاقتصادية المعتمدة عالميًا.

وزاد من تعقيد المشهد تضارب الصلاحيات والتعليمات بين الجهات المعنية، كهيئة الجمارك، وهيئة المنافذ الحدودية، والضرائب، وبعض الجهات الأمنية، حيث تصدر متطلبات متباينة وغير منسجمة، ما أدخل التاجر في حلقة إجرائية مغلقة. وبدل أن يسهم النظام في تسريع التخليص وخفض كلف الاستيراد، أسفر التطبيق الحالي عن تأخيرات طويلة، وفرض غرامات أرضيات، وارتفاع أجور التخليص، وبقاء الشاحنات لأيام وربما أسابيع على الحدود، لتتضاعف الكلف النهائية التي يتحملها المستهلك.

الأخطر من ذلك هو تعمّق فجوة الثقة بين الدولة والقطاع الخاص، إذ ينظر كثير من التجار إلى النظام بوصفه أداة لزيادة الجباية المالية أكثر من كونه إصلاحًا تنظيميًا، في ظل غياب الضمانات، وضعف الشفافية، وعدم إشراك ممثلي القطاع الخاص في مراحل التصميم والتنفيذ. ومع غياب الثقة، يفقد أي نظام — مهما بلغ تطوره التقني — قدرته على النجاح، ويتحوّل إلى مصدر توتر ومقاومة بدل أن يكون رافعة للإصلاح الاقتصادي.

إن معالجة هذه الأزمة لا تتطلب التراجع عن التحديث، بل تستدعي إعادة تصميم آليات التنفيذ على أسس تشاركية، وتطبيق مرحلي، وبنية تحتية مؤهلة، ورؤية اقتصادية تعتبر التاجر شريكًا في الإصلاح لا طرفًا خاضعًا له. دون ذلك، ستبقى النوايا الإصلاحية رهينة أدوات تُستخدم خارج سياقها الصحيح.